الشيخ فاضل اللنكراني

94

مدخل التفسير

وقوله تعالى في سورة الانسان 3 : « إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً » . ومن الثاني : قوله تعالى في سورة الانسان - 30 : « وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » قالوا : وهذا تناقض صريح وتهافت محض . والجواب : أمّا كون الانسان مختارا في أفعاله الاختياريّة ، غير مجبور بالإضافة إليها ، قادرا على الفعل والترك فممّا يدركه الانسان بالفطرة السليمة ، ولا يشكّ فيه عند استقامتها ، وعدم الانحراف عنها ، وهذا الامر - أي كون العبد مختارا غير مجبور - مما أطبق عليه العقلاء كافّة ، وبنوا عليه أمورا كثيرة ، فان القوانين الوضعية عندهم لغرض التنفيذ والموافقة لا يكاد يمكن فرض صحتها وواجديتها للشرائط المعتبرة في التقنين إلّا مع مفروغية اختيار الانسان في أفعاله واعماله ، ضرورة أنه لا معنى لسن القانون بالإضافة إلى غير المختار ، فان القانون إنما يكون الغرض منه الانبعاث والموافقة ، وهو لا يعقل تحققه بدون الإرادة والاختيار . وكذا الأوامر والنواهي الصّادرة من الموالي العرفيّة بالنسبة إلى عبيدهم ، إنّما تتفرع على كون اتصاف العبيد بالقدرة والاختيار امرا ضروريّا عند العقلاء ، ولا ارتياب فيه عندهم أصلا . وكذا التحسين والتقبيح العقلائيان اللّذان هما من الموضوعات المسلّمة عند العقلاء ، والاحكام الضروريّة لديهم ، إنّما يتفرعان على هذا الامر الّذي ذكرناه ، بداهة أنه لا وجه لاتصاف العمل غير الاختياري بالحسن أو القبح ، ومن عدم الاتصاف لا يبقى موقع للمدح أو الذمّ . وبالجملة لا ينبغي الارتياب في أن اتصاف الانسان بالاختيار في أفعاله الإراديّة وصحة اسنادها إليه - لأنه فاعل مختار - من الأمور البديهيّة عند العقلاء ، الّذين هم الحكّام في باب التقنين ، وجعل الاحكام ، وما يتفرع عليه من الإطاعة والعصيان